أنا لست بخير، ليس بسبب قسوة الحياة هنا، بل بسبب قسوة المسافات التي تسرق مني لحظات وجودي معهم. يداهمني في كل ليلة هاجسٌ لا يرحم:
ماذا لو؟
ماذا لو احتاجا إليّ ولم أكن هناك؟ ماذا لو نادتني أمي، أو احتاج والدي ليدٍ تسنده، ولم يجدوا سوى صدى صوتي عبر الهاتف؟
كيف أكون بخير وأنا أسمع في نبرة صوتهم ما يحاولون إخفاءه خلف دعائهم بالتوفيق؟
كيف أكون بخير وأنا أدرك أن الساعات التي تسرقني هي ساعات ثمينة من أعمارهم التي لا تعود؟
كيف أكون بخير وأنا أعيش تفاصيل يومي هنا، وأتساءل في كل تفصيلة: هل هم بخير؟ هل ناموا مرتاحي البال، أم أن طيف الغياب يملأ زوايا البيت؟
لطالما ظننا أننا نبحث عن مستقبل أفضل، لكننا نكتشف متأخرين أن 'المستقبل الذي نبحث عنه، قد يكون ثمنه غالياً جداً.
نحن نتحدث عن الأنانية، أليست أنانيةً أن نترك من أفنوا عمرهم لأجلنا في خريف أعمارهم، بينما نحن نركض في ربيع طموحنا؟
لقد بلغوا من العمر عتياً، وانعكست الآية؛ لم نعد نحن بحاجة إليهم كما كنا صغاراً، بل صاروا هم بأمس الحاجة إلينا، لنرد لهم ولو جزءاً من فيضِ حبهم. تركناهم خلف ظهورنا، موهمين أنفسنا بأننا نفعل ذلك من أجلهم، بينما الحقيقة المرة أننا تركنا 'أماننا' في بلادٍ قد لا تعرفنا بعد الآن. أن نكون بعيدين عنهم وهم في أشد الحاجة لوجودنا، هو شعورٌ يتجاوز الحنين، هو شعورٌ بالذنب الذي لا يغسله نجاح ولا تغطيه رفاهية.
أنا لست بخير، لأن الغربة ليست مجرد مكان، بل هي جرحٌ لا يندمل، يزداد عمقاً كلما كبروا وكلما طال الغياب."
في كثير من الأحيان، نصور الهجرة كأنها رحلة البحث عن الضوء، لكننا نتناسى أننا نترك خلفنا شموساً كانت تضيء أيامنا.
هل تثمر شجرة الزيتون في الأراضي المتجمدة؟ من هنا تبدأ القصة...
أول ما أود أن أبدأ به هو أن أعرف بنفسي، لمن لا يعرفني إلى حد الآن: أنا مواطن مسلم، تونسي الجنسية، في العقد الرابع من العمر، متزوج وأب لطفلين. شاءت الأقدار أن أهاجر إلى كندا مبتعداً عن وطني، وعائلتي، ووالديَّ، وزوجتي، وأولادي، وإخوتي، وأصدقائي، و وطني الذي نشأت فيه.. هؤلاء هم الجذور الحقيقية التي يعيش بها الإنسان، تماما كما تعيش شجرة الزيتون الشامخة، و التي سترافقنا في هذه القصة.
يقولون إن الزيتونة لا تُنقل من مكانها، لأن جذورها تعانق أعماق الأرض التي نمت فيها. وأنا طوال سنوات عمري، كنتُ تلك الزيتونة؛ فلم تكن جذوري في التراب فقط، بل كانت في وطني الذي لا تغيب شمس ذكرياته عن قلبي، في صوت أمي، في نصائح أبي، في ضحكات أطفالي، وفي أدق تفاصيل حياتي الزوجية التي لا توصف. في حبي لأصدقائي و كل الناس الطيبين الذين خرجوا من طينة ذلك الوطن العزيز.
جئتُ إلى هنا، حيث الطبيعة الجميلة و القاسية، و حيث الناس كأشجار الصنوبر؛ قوية صامدة في وجه الشتاء القاسي.
هنا، أدركتُ حقيقةً فلسفية: الهجرة ليست اقتلاعاً للجذور، بل هي اختبارٌ لقوّتها.
نحن لا نغادر ذواتنا حين نغادر أوطاننا، نحن فقط نغير "التربة" لنرى كيف يمكن لشجرةٍ عريقة أن تصمد وتُزهر في مناخٍ مختلف.
لطالما تمنيت صناعة محتوى رقمي، لكن الأفكار كثيرة، وتجميعها ونشرها يتطلب وقتاً وجهداً. وفي هذا اليوم، اطلقت العنان لقلمي ليحدثكم عن هذه المغامرة.
أنت.. الذي ربما لا تعرفني الآن، أما أنا فأعرفك. سأتحدث عنك في منشوراتي، وسنصنع القصة معاً.
أنا لا أكتب لك كشخصٍ يمتلك إجابات جاهزة، بل كإنسانٍ يشاركك رحلته. كل منشور سأكتبه هو لبنة في حكاية أردتُ أن نصنعها سوياً. سأحكي عن الصعوبات، عن الحنين، وعن اكتشافي اليومي لنفسي بعيداً عن شخصي الذي كنتُ أعرفه في وطني.
سواء كنتَ تعرفني شخصياً، أو جمعتنا صدفة الإنترنت، فأنا أكتبُ لكَ لأنني أعلم أننا نتشارك الجذور نفسها. هذه القصة هي فضاءٌ للصدق، لن تجد فيها تجميلاً للواقع، بل حقيقتي كما هي، بكل بساطتها، عفويتها و ربما حتى تناقضاتها. وأعدك، إن تابعت كل تفصيلة، ستدرك يوماً لماذا كنتُ أقول لك منذ البداية: "نحن نعرف بعضنا جيداً".
في الختام، قد تكون الزيتونة بعيدة عن موطنها، لكن طعم ثمارها يظل كما هو.. فهل أنت مستعد لنراقب معاً كيف ستكون ثمار هذه المرحلة الجديدة؟
Nizar Tanazefti
انا لست بخير..
أنا لست بخير، ليس بسبب قسوة الحياة هنا، بل بسبب قسوة المسافات التي تسرق مني لحظات وجودي معهم. يداهمني في كل ليلة هاجسٌ لا يرحم:
ماذا لو؟
ماذا لو احتاجا إليّ ولم أكن هناك؟ ماذا لو نادتني أمي، أو احتاج والدي ليدٍ تسنده، ولم يجدوا سوى صدى صوتي عبر الهاتف؟
كيف أكون بخير وأنا أسمع في نبرة صوتهم ما يحاولون إخفاءه خلف دعائهم بالتوفيق؟
كيف أكون بخير وأنا أدرك أن الساعات التي تسرقني هي ساعات ثمينة من أعمارهم التي لا تعود؟
كيف أكون بخير وأنا أعيش تفاصيل يومي هنا، وأتساءل في كل تفصيلة: هل هم بخير؟ هل ناموا مرتاحي البال، أم أن طيف الغياب يملأ زوايا البيت؟
لطالما ظننا أننا نبحث عن مستقبل أفضل، لكننا نكتشف متأخرين أن 'المستقبل الذي نبحث عنه، قد يكون ثمنه غالياً جداً.
نحن نتحدث عن الأنانية، أليست أنانيةً أن نترك من أفنوا عمرهم لأجلنا في خريف أعمارهم، بينما نحن نركض في ربيع طموحنا؟
لقد بلغوا من العمر عتياً، وانعكست الآية؛ لم نعد نحن بحاجة إليهم كما كنا صغاراً، بل صاروا هم بأمس الحاجة إلينا، لنرد لهم ولو جزءاً من فيضِ حبهم.
تركناهم خلف ظهورنا، موهمين أنفسنا بأننا نفعل ذلك من أجلهم، بينما الحقيقة المرة أننا تركنا 'أماننا' في بلادٍ قد لا تعرفنا بعد الآن. أن نكون بعيدين عنهم وهم في أشد الحاجة لوجودنا، هو شعورٌ يتجاوز الحنين، هو شعورٌ بالذنب الذي لا يغسله نجاح ولا تغطيه رفاهية.
أنا لست بخير، لأن الغربة ليست مجرد مكان، بل هي جرحٌ لا يندمل، يزداد عمقاً كلما كبروا وكلما طال الغياب."
في كثير من الأحيان، نصور الهجرة كأنها رحلة البحث عن الضوء، لكننا نتناسى أننا نترك خلفنا شموساً كانت تضيء أيامنا.
فهل يغفر لنا الآباء ذنب الرحيل؟
01 07 2026
2 days ago | [YT] | 0
View 0 replies
Nizar Tanazefti
هل تثمر شجرة الزيتون في الأراضي المتجمدة؟
من هنا تبدأ القصة...
أول ما أود أن أبدأ به هو أن أعرف بنفسي، لمن لا يعرفني إلى حد الآن: أنا مواطن مسلم، تونسي الجنسية، في العقد الرابع من العمر، متزوج وأب لطفلين.
شاءت الأقدار أن أهاجر إلى كندا مبتعداً عن وطني، وعائلتي، ووالديَّ، وزوجتي، وأولادي، وإخوتي، وأصدقائي، و وطني الذي نشأت فيه..
هؤلاء هم الجذور الحقيقية التي يعيش بها الإنسان، تماما كما تعيش شجرة الزيتون الشامخة، و التي سترافقنا في هذه القصة.
يقولون إن الزيتونة لا تُنقل من مكانها، لأن جذورها تعانق أعماق الأرض التي نمت فيها. وأنا طوال سنوات عمري، كنتُ تلك الزيتونة؛ فلم تكن جذوري في التراب فقط، بل كانت في وطني الذي لا تغيب شمس ذكرياته عن قلبي، في صوت أمي، في نصائح أبي، في ضحكات أطفالي، وفي أدق تفاصيل حياتي الزوجية التي لا توصف. في حبي لأصدقائي و كل الناس الطيبين الذين خرجوا من طينة ذلك الوطن العزيز.
جئتُ إلى هنا، حيث الطبيعة الجميلة و القاسية، و حيث الناس كأشجار الصنوبر؛ قوية صامدة في وجه الشتاء القاسي.
هنا، أدركتُ حقيقةً فلسفية: الهجرة ليست اقتلاعاً للجذور، بل هي اختبارٌ لقوّتها.
نحن لا نغادر ذواتنا حين نغادر أوطاننا، نحن فقط نغير "التربة" لنرى كيف يمكن لشجرةٍ عريقة أن تصمد وتُزهر في مناخٍ مختلف.
لطالما تمنيت صناعة محتوى رقمي، لكن الأفكار كثيرة، وتجميعها ونشرها يتطلب وقتاً وجهداً. وفي هذا اليوم، اطلقت العنان لقلمي ليحدثكم عن هذه المغامرة.
أنت.. الذي ربما لا تعرفني الآن، أما أنا فأعرفك. سأتحدث عنك في منشوراتي، وسنصنع القصة معاً.
أنا لا أكتب لك كشخصٍ يمتلك إجابات جاهزة، بل كإنسانٍ يشاركك رحلته. كل منشور سأكتبه هو لبنة في حكاية أردتُ أن نصنعها سوياً. سأحكي عن الصعوبات، عن الحنين، وعن اكتشافي اليومي لنفسي بعيداً عن شخصي الذي كنتُ أعرفه في وطني.
سواء كنتَ تعرفني شخصياً، أو جمعتنا صدفة الإنترنت، فأنا أكتبُ لكَ لأنني أعلم أننا نتشارك الجذور نفسها. هذه القصة هي فضاءٌ للصدق، لن تجد فيها تجميلاً للواقع، بل حقيقتي كما هي، بكل بساطتها، عفويتها و ربما حتى تناقضاتها. وأعدك، إن تابعت كل تفصيلة، ستدرك يوماً لماذا كنتُ أقول لك منذ البداية: "نحن نعرف بعضنا جيداً".
في الختام، قد تكون الزيتونة بعيدة عن موطنها، لكن طعم ثمارها يظل كما هو.. فهل أنت مستعد لنراقب معاً كيف ستكون ثمار هذه المرحلة الجديدة؟
1 week ago | [YT] | 0
View 0 replies